Monday, July 4, 2011

أجل غير مُسمي


كانت ملامحه بسيطة لم يكن بها شيء يلفت النظر سوي ذقنه التي طالت وكبرت الي الحد الذي يسمح له بتقبيلها....يرتدي جلبابا أبيض قصير يمتد أسفل الركبة بشبر أو أكثر من الشبر بقليل وسروال قصير يعلو قدميه بعدة سنتيمترات ..حذاؤه أسود اللون مفتوح من الأمام بحيث يظهر جميع أصابع الرجل ومفتوح من الخلف ايضا حيث يبدو الكعب أبيض تخالطه حمرة متفرقة ...شعره أسود لامع تماما مثل حذاؤه

كان شابا في منتصف العشرينات يأتي ليؤدي امتحان نهاية كل فصل دراسي , يرافقه اثنان من ضباط الشرطة بزيهم الأسود وكأنهم اختاروا لزيهم لونا غير الأبيض حتي لا يلتبس الأمر علي الآخرين وكأن اللون الأبيض قد صار جرما وافكا .. كل منا يرتدي ما يناسبه وما يعبر عنه

كان قدومه حافلا يترقبه الجميع في اهتمام وشغف ...فحياة الناس هناك مملة رغم أحداث حياتهم اليومية الصاخبة..لكن هذه الأحداث الصاخبة يحفظونها عن ظهر قلب حتي باتت لا تثير فيهم أي حماس أو رغبة في عمل شيء جديد…ربما كانوا هم أيضا أكثر مللا من حياتهم

يلتفت اليه الجميع لكنه لا يلتفت الي احد ..يمشي مطرقا رأسه في الأرض ...يقبل ذقنه ويتمتم ببعض الكلمات تستطيع بسهولة أن تعرف أنها استغفار وتسبيح

كان قد انضم الي جماعة الاخوان المسلمين فتم اعتقاله وتسجيله كعضو نشط في الجماعة مما يعني انه يهدد الأمن العام للبلاد وهذا يقتضي اعتقاله لأجل غير مسمي

يتأسف الجميع عليه وعلي شبابه الذي تنفرط حباته علي مدار السنين

لم تكن له اي توجهات سياسية أو أخوانية فيما مضي لكنه التخبط كان يعتقد ان هذه الجماعة بحوزتها الهداية والرشاد وكان بحاجة الي ان يعود الي الله فاانضم اليهم ونسي ان الدين والهداية نحصل عليهم بالرجوع الي الله وليس الي الجماعة..ربما ادرك خطأه هذا ولكن بعد اعتقاله

كنت اتسائل اليس هناك ثمة استئناف أو نقض لهذه التهمة التي الحقوه بها ...لكني عرفت انها قضية امن دولة ولا سبيل لخروج أمثاله من السجن الا بعد ان يمتص العمر رحيق شبابهم وعنفوانهم في الحياة...اي دولة هذه الذي يهدد امنها شاب يبحث عن الهداية

ربما كانت سياستهم "اضرب المربوط فيخاف السايب"

هو يعرف انه لن يعود الي الحياة والشوارع والناس الا بعدما ينقضي هذا الاجل الغير مسمي لكنه رغم ذلك يأتي ليؤدي امتحانات نهاية السنة الدراسية كل عام بانتظام ...يجتاز بعضها ويرسب في البعض الآخر.. لكنه يأتي

هل لأن خروجه لأداء الامتحانات فرصة جيدة ليعانق أشعة الشمس بحرية من دون جدران او نوافذ ام ليري وجوه الناس الحرة فيفيضوا عليه من حريتهم هذه فيشعر ولو لسويعات أنه حر...

الناس لم يكونوا احرار ولم تكن وجوههم حرة ..بل كانت اشعة الشمس هي الحرة ...لقد كانوا يعيشون تحت وطأة الغلاء والمرض والفقر لكنهم علي كل حال أفضل منه لأنهم يجوبون الشوارع والطرقات بحرية وهو يجوب زنزانته وطرقات سجن مظلم وكئيب بخوف وانكسار

ام انه الأمل الذي تمخض من ايمانه وثقته بالله بأن هناك يوما سوف يأتي وعن قريب يعود فيه الي العالم وينعم بمباهجه وأفراحه

يخرج شبابا في عمر الزهور مثله ينادون باسقاط النظام ويسخر منهم من لم يشاركهم هتافهم ثم تدب الفوضي أرجاء البلاد وينادي الجميع هؤلاء الشباب أن يكفوا عن الصراخ ..هكذا رأوا ثورتهم صراخا...لكن لا شيء يزعزع ثقتهم في الله وفي أنفسهم, يواصلوا هتافهم وتزداد اعدادهم بعدما رحل عنهم رفاقهم وماتوا في سبيل الله والوطن امام اعينهم...وتحقق الثورة مبتاغها ويتنحي من كانت بيده مقاليد الأمور ويسقط من بعده رؤوس الأفاعي التي كانت تبخ سمومها في البلاد....يداعبه الأمل أنه سيخرج من هنا عما قريب

تهدأ الثورة ولا يخرج من المعتقل , يهدأ أمله لكنه لا يموت

بعد أيام قليلة تعود الثورة ترسم ملمحا جديدا لها وتحترق مباني أمن الدولة... يتم العفو عن المعتقلين ويخرجون جميعا وهو معهم....يحتضن الكون ويعانق السماء ويقبل الأرض ...لا يصدق ان هذا الأجل الذي لم يجدوا له اسما وهم يصدرون امر اعتقاله أنه سينقضي بهذه السرعة

...ثلاث سنوات قضاها في المعتقل يزداد يقينه في الله يوما تلو الآخر أن هذا الأجل الغير مسمي سيصير له اسما يوما ما وسيخرج من هذه الجدران للهواء والشمس

2 comments:

ليكوريكا said...

فعلا ربنا قادر علي كل شي :)

يارب نجينا ونجي بلادنا من اي سوء يارب

nour shahen said...

بعيدا عن الاخبار السياسيه والاحوال العامه ......

قرب رمضان فكرنى بناس يهمونى قولت اهنيهم قبل ما يسبقونى .. رمضان كريم